الغزالي
102
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
فالفريضة : العزلة عن الشر وأهله . والفضيلة العزلة عن الفضول وأهله . وقيل : الخلوة غير العزلة ، والخلوة من الأغيار ، والعزلة من النفس وما تدعو إليه وتشغل عن اللّه . وقيل : السلامة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وواحدة في العزلة . وقيل : الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت عما لا يعني . والعاشرة في العزلة عن الناس . كثير من ندم على الكلام وقلّ من ندم على السكوت . وقيل : الخلوة أصل والخلطة عارض ، فيلزم الأصل ولا يخالط إلا بقدر الحاجة ، وإذا خالط يلازم الصمت فإنه أصل . وإذا صفا لك من زمانك واحد * فهو المراد فأين ذاك الواحد وقيل : الخلوة بالقلب فيكون مستغرقا بكليته مع الحق تعالى معكوفا قلبه عليه مشغوفا به والها إليه متحققا كأنه بين يديه . قيل : أول مبادئ السالك أن يكثر الذكر بقلبه ولسانه بقوة حتى يسري الذكر في أعضائه وعروقه ، وينتقل الذكر إلى قلبه فحينئذ يسكت لسانه ويبقى قلبه ذاكرا يقول ( اللّه اللّه ) باطنا مع عدم رؤيته لذكره ، ثم يسكن قلبه ويبقى ملاحظا لمطلوبه مستغرقا به معكوفا عليه مشغوفا اليه مشاهدا له ، ثم يغيب عن نفسه بمشاهدته ، ثم يفني عن كليته بكليته حتى كأنه في حضرة لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] فحينئذ يتجلى الحق على قلبه فيضطرب عند ذلك ويندهش ويغلب عليه السكر وحالة الحضور والإجلال والتعظيم ، فلا يبقى فيه متسع لغير مطلوبه الأعظم . كما قيل : فلا حاجة لأهل الحضور إلى غير شهود عوانه . وقيل في قوله تعالى : وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [ البروج : 3 ] فالشاهد : هو اللّه ، والمشهود : هو عكس جمال الحضرة الصمدية فهو الشاهد والمشهود . فصل يا حبيبي أطبق جفنيك وانظر ما ذا ترى ، فإن قلت لا أرى شيئا حينئذ فهو خطأ منك بل تبصر . ولكن ظلام الوجود لفرط قربه من بصيرتك لا تجده . فإن أحببت أن تجده وتبصره قدامك مع أنك مطبق جفنيك ، فأنقص من وجودك شيئا أو أبعد من وجودك شيئا وطريق تنقيصه والإبعاد منه قليلا المجاهدة ومعنى المجاهدة بذل الجهد في دفع الأغيار أو قتل الأغيار والأغيار الوجود والنفس والشيطان . وبذل الجهد مضبوط بطرق : الأول : تقليل الغذاء بالتدريج ، فإن مدد الوجود والنفس والشيطان من الغذاء ، فإذا قلّ الغذاء قلّ سلطانه . والثاني : ترك الاختيار وإفنائه في اختيار شيخ مأمون ليختار له ما يصلحه ، فإنه مثل الطفل والصبي الذي لم يبلغ مبلغ الرجال أو السفيه المبذر . وكل هؤلاء لا بد لهم من وصي أو ولي أو قاض أو سلطان يتولى أمرهم . والثالث : من الطرق طريقة الجنيد قدس اللّه روحه وهو ثمان شرائط . دوام الوضوء ، ودوام الصوم ، ودوام السكوت ، ودوام الخلوة ودوام الذكر وهو قول ( لا إله إلا اللّه ) ، ودوام ربط